الجمعة، 19 مايو، 2017

شئ مؤكد

شئ مؤكد

يستوقفني غريب في الطريق يسأل عن شئ مهم جدا في حياتي، هو بمثابة السبب في الوجود، ويشبه هذا الشخص نجوم هوليوود السود، كان يتحدث في الهاتف تاليا بعض الأسماء، لكنه فزع جدا فجأة وبدأ يهرب مني بعد أن وجدته أخيرا، كان كالحكيم الذي يحمل الحزن والفرح معا في نظرة واحدة، لكن يرتدي ملابس بوليسية رثة، بدأت أبحث عنه في مكان غريب، ويبدو انني اقتحمت مشهد النهاية في فيلم عن نهاية العالم، او عن نهاية الأخلاق في العالم، وقد انتحرت كل قيمة، ونجد جسدها مسجي في مذبح مكون من عدة مستويات،أولها الصدق وهو جسد فتاة جميل مسجي علي طاولة خشبية عتيقة وضخمة وفي مستوي أعلي جسد آخر للفضيلة، وعلي المستوي الأعلي منه جسد آخر مسجي للشموخ، وهكذا الي ما لا نهاية، حتي يبدو المذبح لا نهائي وينتهي في الأفق في نقطة وفي كل  مستوي يحيط بالجسد بعض التماثيل والزهور، وأحيانا أناسا آخرين يتحركون بين المستويات في مهابة وخشوع منكسي الرؤوس في أردية تاريخية لا تمت لواقعنا بصلة، لكن كل الوجوه كانت من القرن الحادي والعشرين، وقد غمر الضوء الساطع عبر سقف زجاجي كل مستوي من المستويات فبدت فتاة الصدق ذات نورانية شفافة كان رذاذ التبر يتبخر من روحها لينتشر في فراغ المعبد
، ويبدو ان هناك أحاديث خفية حول السبب في هذا الموت الرهيب لهذا الجمال، ويبدو ان الأسباب كانت عظيمة، ويبدو ان العواقب ستكون انتحارية،هل القتل بفعل رواد المعبد، كان القتلة يجلسون متفرجين علي المشهد الجنائزي الرهيب، وكأنهم في هلع مما اقترفوه، بل كان كبيرهم الكاهن الأعظم يتحرك بين المستويات ويتلو بعض الدعوات والآيات بالرحمة والقبول في العالم الآخر، كما كان يحمل شموعا وبيده الأخري يمسح علي الجسد كأنه يرقيه، كنت في حالة ذهول فكيف تقتل هذه النفوس الجميلة المحيا والهيئة بهذا الاسلوب القاسي، ولم يجلس الجميع في حالة صمت ولا يشاركون في توديعهم، بل انني كذلك لم أكن أودعهم، كنت أقف مع جمع محتشد مذهولة لا أدري ما الذي اتي بي لهذا المكان، ولماذا لا أستطيع الاقتراب منهم ومواساتهم، أعلم تلك الفتاة جيدا، كنت أحسدها رغم موقفها التي لا تحسد عليه، كنت كثيرة الإيذاء لها رغم صدقها معي، صوتها كان لا يريد الذهاب كان ملازما لي دوما لكنني تجاهلته مرارا وتكرارا
ما هذا الألم الرهيب في جسدي لماذا اشعر شعاعا اخترقني منذ فترة لم ينرك مكانا لذكري ومحا كل الوعود المنسية، إنني أعلم هذه الفتاة جيدا
فجأة تحركت فتاة الصدق لتجلس وتمد يدها لكاهن يجلس أمامها في محاولة أخيرة للنجاة، كانت واهنة لكن تتحرك برشاقة، وأناملها الطويلة تتحرك برقة كأنها تمنح المغفرة، في وهن شديد، رغم ادراكها ان الرحمة انتزعت من نفوسهم، وان لا مفر من مصيرها ان لم يكن الآن فغدا، أريد الصراخ لكن أخاف أن يراني الكاهن ويفتك بي أعلم مدي كراهيته لي،
 كنت أريد الاقتراب لكن كان فكري يحاول الاجابة عن سؤال : كيف اقترب من ذاتي وهي تحتضر، وكيف أعلن عن موتي وانا بينهم، ولماذا لا يراني أحد؟



ما زلت أتألم لكن ليس ذلك ما يحول بيني وبين الناس، اتحرك بين جمع محتشد في ذلك المسرح، وطنينهم مزعج لكنه ليس عاليا، ورغم أن النور سماوي علي المذبح لكننا كنا نقف في ظلام دامس، نشاهد مسرحية صنعناها في أيامنا، لكننا لا نريد الاعتراف بذلك، أحاول تذكر المكان الذي جئت منه، لكن هيهات ، ابتعدت عنه لمدة أسبوع كامل، ولم أجد الغريب الذي عرفني، بحثت عنه، لكنه اختفي، لماذا اختفي ؟ ولماذا أعرف كل من يحيط بي ولكنني لا اعرفهم حقا ؟
أنظر في وجوههم، وينظرون لي ولكن لا أثر لمعرفتنا في تلك النظرات، مندهشون لرؤية أنفسنا في ذلك الرداء الجديد، وكأن الكلام غير مصرح به، تري ما الطنين اذن ان لم يكن لاحاديث الناس؟ وأين أسمع طبول كن فيكون، وكيف لا يستهجن الناس وجودهم في ذلك الظلام، أترك نفسي للألم فذلك أهون من ظلمة ذلك المكان
متي أقترب من ذاتي وأعترف انني تركتها للموت ؟
فتاة الصدق تستجير بي كل يوم، كل دقيقة، أقترب من المذبح ويغمرني ضوء شديد، ربما لم اختفي ان اقتربت، كل ما أخشاه هو مزيد من الاختفاء، فهروبي من هذا المكان يتجلي بتجسدي بعيدا في مكان آخر، ربما ساعود يوما اليه، أقترب من المذبح لكن الطريق طويل، يبدأ بسلالم متسعة بعرض المذبح، أصعد قليلا، قليلا، هناك آخرون، كثيرون ولكن لاتسدرج يبدون قليلون، أتهالك، وأحب الدرج أكثر فاكثر، كأنما هو رفيقي
عندما اقتربت من مذبح صدق الفتاة الملائكية، كانت ذات جسد نحيل وثياب يرسمها ديجا، القاعدة الخشبية العريضة كان سطحها رخامي أبيض، الشموع تقول لي ان أصعد، والكاهن لم يعد يراني ولكنه هناك لدي فضيلة الشموخ، ما زالت تجلس ولكن الرؤية ضبابية رغم اقترابي منها، وشيئا فشيئا تقترب مني وتنظر لي بعينان واسعتان كانها تعرفني، وتنتهي المسافات بيننا ،واجد نفسي قد أصبحت أكثر خفة وأقل ظلمة، وكأنني لست أنا او كأنني لا اعلم من اكون، وباختلاف هيئتي، راح صوتي يرسل نمغما مزيجا من الحنين والألم، ورغم ارتفاعي عن الأرض وجدت ذاتي تقف في مكانها أمام مذبح فتاة الصدق تعاني ألما رهيبا في جسدها، ومع انتقالي من مذبح لاخر أتلقي تحيات الفضائل الصديقة، وتحذرني للابتعاد عن كاهن المعبد، وكتابه الغريب، وربما انتبهن الي انني ما زلت أقف في أول الدرج، وارتجفت أثناء طيراني للحظات لكنني كنت أحلق بعيدا واصعد باحثة عن الغريب الذي لمحته قبل الفراق، ربما أراه ربما كان جسده مسجي مثلما كانت فتاة الصدق، ربما...
...
وجدت في طريقي ضوء كثير وعدت الي مكاني عند أول الدرج، لم يكن ممكنا أن أري الجسد مرة أخري حيث كان مجهدا جدا. كنت أحن اليه كثيرا لكنني أردت أن أعيده معي الي ذلك المكان، وعندما فقدته لم يعد ممكنا البقاء أكثر من ذلك، من هو ذلك الغريب ؟ لا يهم الآن، سأكتشف ذلك لاحقا، لم يعد يجدي الانتظار هنا حيث تحولت الحوائط الرخامية للمذبح الذي ينتمي للعصر الوسيط، الي حوائط زجاجية شفافة وأجد ذاتي  أقف في وسط ملعب في استاد للخيل، الفارس يمتطي حصانا أسود رائع الجمال، ويتسابق لقفز الحواجر برشاقة، وبينما يحدث ذلك نسيت ذلك الغريب، انه ليس أنا، انه ليس أحدا ما.
ما ولت أشعر بألم الجسد الذي فارقته، وأدركت لوهلة انه لم يكن ألم جسد ، لكنه كان ألم آخر،  يشبه ألم الانتظار، وعدت أطير مع أحد الأحصنة في ذلك الفراغ السماوي، حيث يتجلي الصدق داخلي، والآن تنسحب مني فتاة الصدق، تاركة اياي مع جسدي المرهق، أحمله وأعالجه، وتنصحني ألا أبتعد عنها، لم أفهم ما الرسالة، لانني ظننتها تريد تركي كما تفعل في كل موقف يتطلب منها الحديث، تعلم هي تماما أن لساني لا يساعدني لأنني لم استخدمه في بداياتي.
لم لا تصغين جيدا ؟ لم لا تحسنين الإصغاء ؟ متي تتقبلين مصيرك ؟ متي تتقبلين ذاتك ومزاياكي؟ كان ذلك صوتها ينبع أمامي منها، كانت تطير الأن منفصلة عني وأمسك بجناحيها كي استطيع التحليق، لم يكن لدي اجابات، لكني كنت ابلور الحلول امامي وأرسم درب الصدق باناملي،وشعوري، ثم بدأت السير، كنت اعثر كثيرا فيه، لكنني لم أكن أعرف مكانا آخر أو دربا آخر لي
كنت أستمع لمناجاتها كل يوم ,ارسم طريقي الصادق حيث أجد في نهايته نهايتي وأتحول لطائر يتم ذبحه كل يوم في سبيلها
وكانت تعيدني للحياة كل صباح، في صحراء الوجود تستقبلني فجرا وتقبلني قبلة الحياة كالعنقاء
وجدت في ذلك موتي وميلادي
في بعض الأوقات كانت تغضب وتتركني في صحراء الوجود بلا حياة لأدرك ان ما ظننته صدقا كان نفاقا، وان واجبي أن اجدد النذور،
كنت أقف في المسرح أعلم تماما ان الحضور لا يدرون من هي تلك الفتاة الرقيقة، لكنهم كانوا يعلمونها جيدا، كنت أراهم يتهكمون عليها كل يوم، حيث الصدق كان فعلا منبوذا في تلك البلاد، وكان الألم ينبعث صارخا في كل الأفعال الكاذبة، ولكن لا سبيل لاشعارهم، ان صوت الكذب مزعج ونشاز
لم يعد ممكنا تحمل ذلك الألم، انني لن اتقبل ذلك الرضوغ، انني لن أعيد التمثيلية، وسأرفض ذلك الدور، ان القالب المعدني شديد هل قمت بارتدائه بذاتي ؟ كيف رضيت الدخول في هذا القالب المعدني، المقيد لعقلي، حيث كل فكرة حرة جميلة تتحول الي قيد لعقلي ولساني وتخنق روحي، كل ابداع يصبح ليس ذو شأن وماذا يفعل في أروقة المولات؟ وساحات الفراغ ؟ وماذا يفعل الابداع ان كان منفصلا عن الذات والمكان؟ ومن يخاطب ان لم يخاطب انسانا يريد التحليق؟ وكيف رضيت أن جفف نبع الأفكار واترك حديقة الوجود تحتضر اهمالا، في سبيل استمرار نمط الرأسمالية، حيث لا جديد ولا انسان ولا شمس

انهم يعلمون من اكون، ويعلمون دورهم في تلك المسرحيو، بل يدفعون انفسهم للمارسة الجرائم لكي نلقي جميعا نفس المصير البائس، انهم لم يفعلوا شيئا في الحقيقة، حيث انا المتهمة الرئيسية في قتل الصدق، كنت أكثرهم اتباعا لها، فكنت أصلحهم لهذه المهمة، انني تركت ذاتي بينهم ، كيف ارتطيت القناع السميك الخانق لي،
لم أعد أريده، أردي ألم الروح انه أكثر وهنا من اختناق روحي في ذلك الرداء المعدني، ان المسرح الآن مكشوف حيث ينظر لي الجميع بدلا منها، انها انا ذاتها حيث تركت الصدق داخلي يحتضر،
لن لن أتركها تحتضر
سأخلع الرداء وان كلفني كل ما أملك
لماذا يقتربون مني يريدون خنقي، ساكشف زيفهم يوما ما


 مي حواس 
12-18 مايو 2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق